محمد علي سلامة
131
منهج الفرقان في علوم القرآن
ووضعتموها في السبع الطوال فقال عثمان رضى اللّه عنه كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا أنزل عليه شئ دعا بعض من يكتب فيقول ضعوا هذه الآيات في السور التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها ، فقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ووضعتهما في السبع الطوال . فهذا يدل على أن ترتيب الأنفال مع التوبة كان باجتهاده لعدم البيان فيهما وأما ما عداهما فبتوقيف كما يدل عليه الحديث . « وأجيب » عن هذا الدليل بوجهين : ( 1 ) إن هذا الحديث غير صحيح لأن الترمذي الذي هو أحد من خرجه قال فيه إنه حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد الفاسي عن ابن عباس ويزيد هذا مجهول الحال فلا يصح الاعتماد على حديثه الذي انفرد به في ترتيب القرآن . ( 2 ) على فرض صحته يجوز أن عثمان حين إخباره لابن عباس لم يكن عنده شئ مسموع بشأن الترتيب بين براءة والأنفال فلا ينافي أنه علم بعد ذلك بدليل موافقة أبي بن كعب وغيره من أصحاب المصاحف على ترتيب مصحف عثمان فلو لم يكن عنده علم بذلك لما تركوا ترتيب مصاحفهم ولما وافقوه في ذلك إذا كان الترتيب اجتهاديا لأنه ليس للمجتهد أن يقلد مجتهدا آخر كما هو مقرر في الأصول وبهذا قد علمت ما في هذا الدليل . وقد جعل الزركشي في البرهان الخلاف لفظيا فجعل قول من قال إن ذلك كان باجتهاد الصحابة على أن المراد أنه لم يكن مأخوذا من صريح قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو لا ينافي أنه مأخوذ من رمزه وإشارته به لأصحابه ، وحمل قول من قال إنه توقيفى على أن ذلك كان بتعليم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإرشاده وأن ذلك بطريق الرمز والإشارة ، لا بصريح القول والعبارة ، واستدل على ذلك بأن مالكا رحمه اللّه ، قال إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع قول مالك نفسه إن ترتيب السور باجتهاد منهم فلا بد أن يكون مراده بكونه باجتهاد أنهم لم يسمعوا